عبد الملك الجويني

445

نهاية المطلب في دراية المذهب

قاله ؛ من جهة أن منعه المقرضَ من مطالبة المقترض تحكّم منه عليه ، لا عن أصل ثابت في الشرع . ثم ذِكْرُه قضاءَ الوطر عماية لا يهتدى إليها ، وأمرٌ خارج عن الضبط . والوجه إذا عقلنا غرضَ الشرع مائلاً عن قياس كلِّي ( 1 ) أن نقتصر عليه ، ولا نُتبعُه هدمَ الأصول . ومقصود الشارع استثناءُ القرض عن التعبّد الثابت في التقابض المشروط . وهذا معترف به ، فأما الحجر على المقرض ، فلا . والأمر محمول فيه على أنه إن شاء وفَى بامتناعه ، فإن لم يفِ ، فهو المالك . وقد طرد مالكٌ أصلَه في إلزام العواري إلى قضاء الأوطار . وهذا عندي خَرق لما عليه علماءُ الأمة ؛ فإنهم ما زالوا يعرفون من وضع الشرع في العواري تخيّر المعير ، وأن له الرجوع متى شاء . وقد ثبت في وضع الشرع عقودٌ مقرونةٌ بشرط الرجوع . والواهب المملِّك بالإقباضِ عندنا وبنفسِ الهبةِ عند مالك رحمه الله يرجع فيما وهب . ولم يُنكِر أصلَ الرجوع في الهبة منكر . فالذي يقتضيه الفقه أن يُعتقَدَ استثناءُ الشارع القرضَ كما ذكرناه ، مع أن الأمر فيه مبني على أن المقرض يفي بالامتناع ، ولا يخلف الموعدَ . وهذا ما اطّرد العرفُ فيه . فإن أراد الاسترجاع ، فلا مانع منه . وأما الأجل ، فقول مالكٍ في إثباته أَثْبتُ . وسبيل الكلام عليه ما قدّمناه ، من أن الأجل من توابع العقود المحققة ، ولو أثبتنا الأجل فيه ، لألحقناه بالعقود ، ولو التحق بها ، لامتنع الأجل في مقابلة الدراهم بالدنانير ؛ ففي إثباته في الربويات نفيُه . 3376 - ثم إذا تمهد قولُنا في أصل القرض وتنزيله ، فنتكلمُ وراء ذلك في شيئين : أحدهما - أنه يقتضي الملك للمقترض وكيف التفصيل فيه . والثاني - فيما يصح إقراضه وفيما لا يصح ، ثم نذكر بعدهما القرضَ الذي يجرّ منفعةً . فأما القول في وقت الملكِ ، فقد ذكر أئمتنا قولين من معاني كلام الشافعي في ذلك : أحدهما - أن الملك يحصل بالإقباض . وهذا هو القياس ؛ فإن المقترض يتصرف فيما اقترضه وقبضه تصرفاتٍ مفتقرة إلى الملك ، كالبيع وغيره . وأيضاً ؛ فإن

--> ( 1 ) في ( ص ) ، ( ت 2 ) : جلي .